الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
مختصر الامثل
والحادثة الثانية التي تتحدث الآية الكريمة عنها هي معجزة انشقاق القمر العظيمة التي تدلّل على قدرة الباريء عزّ وجل المطلقة ، وكذلك تدلّ - أيضاً - على صدق دعوة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله . قال تعالى : « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ » . وجدير بالذكر أنّ سورة النجم التي أنهت آياتها المباركة بالحديث عن يوم القيامة « أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ » تستقبل آيات سورة القمر بهذا المعنى أيضاً ، مما يؤكّد قرب وقوع اليوم الموعود رغم أنّه عندما يقاس بالمقياس الدنيوي فقد يستغرق آلاف السنين ويتوضّح هذا المفهوم ، حينما نتصور مجموع عمر عالمنا هذا من جهة ، ومن جهة أخرى عندما نقارن جميع عمر الدنيا في مقابل عمر الآخرة فإنّها لا تكون سوى لحظة واحدة . إنّ إقتران ذكر هاتين الحادثتين في الآية الكريمة : « انشقاق القمر واقتراب الساعة » دليل على قرب وقوع يوم القيامة ، حيث إنّ ظهور الرسول الأكرم - وهو آخر الأنبياء - قرينة على قرب وقوع اليوم المشهود . ومن جهة أخرى ، فإنّ انشقاق القمر دليل على إمكانية اضطراب النظام الكوني ، ونموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تسبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم ، حيث إندثار الكواكب والنجوم والأرض يعني حدوث عالم جديد ، استناداً إلى الروايات المشهورة التي ادّعى البعض تواترها . في تفسير مجمع البيان : قال ابن عباس : اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقالوا : إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين . فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « إن فعلت تؤمنون » ؟ قالوا : نعم . وكانت ليلة بدر فسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ربّه أن يعطيه ما قالوا ، فانشقّ القمر فرقتين ورسول اللَّه ينادي : « يا فلان ! يا فلان ! اشهدوا » . يقول سبحانه : « وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ » . والمراد من قوله تعالى « مستمر » أنّهم شاهدوا من الرسول الكريم صلى الله عليه وآله معجزات عديدة ، وشقّ القمر هو استمرار لهذه المعاجز ، وأنّهم كانوا يبرّرون إعراضهم عن الإيمان وعدم الاستسلام لدعوة الحق وذلك بقولهم : إنّ هذه المعاجز كانت « سحر مستمر » . أمّا قوله تعالى : « وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ » . فإنّه يشير إلى سبب مخالفتهم وعنادهم وسوء العاقبة التي تنتظرهم نتيجة لهذا الإصرار . إنّ مصدر خلاف هؤلاء وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وآله أو تكذيب معاجزه ودلائله ، وكذلك تكذيب يوم القيامة ، هو اتّباع هوى النفس .